موقع شباب السريان
أهلاً وسهلاً بكل زوار موقع شباب السريان

الإرث الحضاري لبلاد ما بين النهرين واستمرارية تأثيره في الحضارات العالمية الجزء الثاني

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

default الإرث الحضاري لبلاد ما بين النهرين واستمرارية تأثيره في الحضارات العالمية الجزء الثاني

مُساهمة من طرف jonyy في الجمعة 07 أغسطس 2009, 4:24 pm

استمرارية الثقافة خلال قرون قبل وبعد الميلاد:

يمكن تعقب استمرارية ثقافة بلاد الرافدين وغلبتها على ثقافة الحكام الفرس وثم اليونانيين وبعدهم الفرثيين من زوايا متعددة أوضحها الإنتاج الأدبي الديني وأسماء الأعلام لشعبها من القرن الخامس قبل الميلاد إلى ما بعد القرن الخامس بعد الميلاد. في كثير من الوثائق المكتشفة خلال الفترة اليونانية وثم الساسانية (الفارسية) تم تحديد مئات أسماء الأعلام الآشورية (أو غير يونانية أو ساسانية) بسبب حملهم أسماء مركبة من آلهة بلاد النهرين مثل آشور، شيروا، عشتار، نانايا، بيل، نابو، نركال.. الخ. لكن دراسة اسماء أعلام السريان المسيحيين، سكان بلاد النهرين، تدهشنا لكثرتها ولكثرة أخذهم أسماء آلهتهم قبل المسيحية. هذه الدراسة اعتمدت المصادر المسيحية السريانية مثل قصص القديسين الأوائل والكتب التراثية والتواريخ الموجودة إلى القرن السادس الميلادي.[13] (يشار إلى مقالة الأسماء ويقرأ منها بعضها) [أمثلة: الرسول آداي (ܐܕܝ)، يفيد معناه "أداد الهي"، والإله اداد هو اله الرعود عند الآكاديين؛ برنابا (ܒܪܢܐܒܐ) يفيد ابن الإله نابو، وهو إله الأدب والكتابة وابن الإله مردوخ؛ برآبا (ܒܪܐܒܐ) يفيد ابن الإله آبا، الإله الأب؛ شمشي (ܫܡܫܝ) يفيد الإله شمش هو إلهي؛ مارا (ܡܪܐ) يفيد الإله الرب؛
ـ الاستمرارية في الحقبة المسيحية

استمرارية ثقافة الرافدين عبر أسماء الأعلام المسيحية تنقلنا إلى نقطة تأثير هذه الثقافة في الأدب المسيحي عامة وفي الأدب السرياني خاصة. كان قبول الدين المسيحي من قبل شعب بلاد النهرين سهلا سلسا بسبب قرب معظم معتقداته من معتقداتهم القديمة.[14] من جملة المعتقدات الدينية، على سبيل المثال، عبادة الآلهة الأم، عبادة البتول المقدسة، عبادة الإله الأب، والأم المقدسة، والابن المقدس "المخلص" لاسيما الآلهة ماران ومارتَن وبرمارين (ܡܪܢ܆ ܡܪܬܢ܆ ܒܪ ܡܪܝܢ)، ثم ممارسة حياة التزهد،[15] واحتفالات فصول السنة، والمهرجانات الاحتفالية الدينية وخصوصاً أعياد الميلاد والقيامة، ويوم القيامة في اللغات الأجنبية أُخذت من اسم إيشتار أو عشتار بسبب دورها في أسطورة القيامة للإله تموز ((Easter، Estrus، Eshtar.[16]

ثقافة بلاد ما بين النهرين أَثَّرت بفاعلية في صياغة كثير من المفاهيم الدينية والقواعد والشعائر في علوم المسيحية عامة والمسيحية السريانية خاصة. فالاعتقاد بالإله الواحد الأحد، الذي يعتبر أساس معتقدات الديانات اليهودية والمسيحية والإسلامية، كان قد أُعلن عنه وكرز به في بلاد النهرين قبل هذه الديانات الثلاثة بمئات من السنين. ظهر هذا المعتقد جلياُ في كتابات الأنبياء الآشوريين المتأخرين، حيث يصفون الأله آشور ب "الإله الواحد الوحيد،" "وإله العالم."[17] وجدير بالملاحظة ان التحليل الايتمولوجي (التحليل اللغوي) لاسم آشور هو انه يتركب من اسمين آكاديين: "آش" ويعني الواحد أو الوحيد، و"شور" ويعني انبثاقات، فيكون معناه "الاله الواحد بانبثاقاته المتعددة."[18] نتجت فكرة الإله الواحد أو "التوحيد" عن المعتقد السالف (henotheism) أي "التوحيد المَشُوب" (أي عبادة إله واحد ولكن من غير إنكار لوجود آلهة أُخرى). وكان "التوحيد المَشُوب" (henotheism) ظاهراً وواضحاً فيما يسمى ب "المجلس الإلهي"، أو "مجلس الآلهة"، والذي يشمل مُجمَل الآلهة الرسمية برئاسة الإله الأكبر أو من ينوب عنه.

باستثناء المختصين بعلم الآكاديات والآشوريات، فان معظم المختصين في الأديان أنكروا اعتماد فكرة التوحيد للإله آشور. مع ذلك، فمعظم هؤلاء المختصين أجمعوا على نَسب فكرة "التوحيد المَشُوب" (henotheism) المتَمثَل في مفهوم "مجلس الآلهة" للآشوريين. ولكن مفهوم "مجلس الآلهة" بالذات أخذ طريقه إلى أدبيات كتاب العهد القديم، والأدب الروائي في العهد الجديد، وفي كثير من أدبيات المسيحية السريانية الأولى. وبالواقع فان كثير من القصص الدينية والفلكلورية ما زالت دائرة بين السريان والمندائيين/ الصابئين واليزيد ..الخ تشير إلى دور "مجلس الآلهة." ومثال على "مجلس الآلهة" في العهد القديم، اقرأوا النبي ميخا في المللوك الأول (22: 19-23) يقول: "اسمع كلام الرب (يهوي). رأيت الربَّ (يهوي) جالساً على عرشه وجميع جمهرة السماء وقوفٌُ لديه، على يمينه وشماله. فسألهم الربُ (يهوي) مَن يغوي أخاب بالصعود للحرب فيموت في راموث جلعاد؟ فأجاب هذا بشيْ، وذاك بشيء آخر. وأخيراً خرج روحٌ ووقف أمام الربِّ (يهوي) وقال: أنا أغويه. فسأله الربُّ (يهوي): بماذا؟ فأجاب: أجعل جميع أنبيائه ينطقون الكذب. فقال له الربُّ (يهوي): أنت تقدر أن تُغويه، فافعل هكذا."[19] من الواضح أن المعنى اللاهوتي هو أن "مجلس الآلهة" في هذا السفر يشير إلى شمولية الله في كافة المظاهر الإلهية؛ وان تحليل كلمة الله بالعبرية هي" אלהים " (الوهيم) أي مجموع الآلهة. في تحليل لاهوتي مماثل يمكننا استنتاج فكرة الوحدانية في لاهوت ما بين النهرين. وفي واقع حياة المسيحيين المشرقيين بشكل عام، فان فكرة "مجلس الآلهة" ما زالت مستمرة في كثير من القصص الدينية والفلكلورية، حيث يشمل هذا المجلس جمهرة من القديسين والملائكة، كلاً بدوره يتشفّع عن أبناء كنيسته، أو جماعته أو مدينته.

إن تأثير أدب بلاد الرافدين في الأدب الكتابي (الكتاب المقدس) كبير جداً --- طبعاً ليس الوحي هو المقصود بالتأثير الأدبي.. فيكفي ما أجمع عليه معظم علماء الكتاب، لاسيما العهد القديم، قولهم: "لولا أدب بلاد ما بين النهرين، لكان البناء الأدبي لكتاب العهد القديم مختلفاً جداً عما صار عليه." فعلى سبيل المثال وليس الحصر، قصة ولادة موسى ما هي إلا إعادة صياغة لقصة ولادة سركون الآكادي ( الألف الثالث ق م) (يمكنكم الاطلاع على القصة الاصلية لسركون الاكادي باللغة الأصلية مع الترجمة).[20] وكذلك قصة استلام حمورابي الشريعة من الإله شمش، تماثل استلام موسى الشريعة من الله، (يهوي)، الذي ظهر له بمظهرالنار(الشمس) المحترقة. وبالمثل قصص أدبية كثيرة كالبناء الأدبي لقصة الخليقة، والطوفان وعبور البحر وتقديس يوم السبت.. الخ.

استمرارية التأثير الحضاري في الحضارات العالمية المعاصرة

أن مناقشة التأثير في أدب الكتاب المقدس والأدب الديني له أيضاً محوره العالمي. فالملايين من الناس في الشرق والغرب ما زالوا متأثرين ومتفاعلين مع هذا الأدب. ومن المعتقدات الدينية المنتشرة على نطاق العالم هي فكرة الثالوث والواحد، أو التثليث والتوحيد. ولأن الثقافة السريانية قبل المسيحية كانت مشبعة بالأفكار الخصبة عن هذا اللاهوت، فقد نجح السريان في تفسير التثليث والتوحيد المسيحي. فالثالوث الإلهي في بلاد النهرين كان لاهوتاً ممارساً في حقبات طويلة، وفي الاحقاب المتقدمة ظهر أيضاً التوحيد مع التثليث في مفهوم الاله آشور (الأب)، وعشتار (الأم)هناك أدب غزير كتب حول دقائق هذا الموضوع، والمراجع متوفرة.

والتاريخ الكنسي يُخبِرُنا بان البابا ديونسيوس الروماني (القرن الثالث ب م) دُهش من تعاليم بعض لاهوتيي معاصريه الذين صاغوا فكرة التثليث والتوحيد، واتهم اوريجانس الاسكندري بإبداع فكرة التوحيد في ثلاثة أقانيم.[21] لقد كتب أوريجانس باسهاب عن تعليم التثليث والتوحيد، وأشار بمصدرها إلى اقليمس الاسكندري. واقليمس بدروه أشار إلى معلمه الملفان طيطيانس الاشوري (الاسوري).[22] أما طيطيان (ܛܘܛܝ: المصلي، التقي)، الذي يلقب نفسَه ب طيطيان الآشوري، (الآسوري)[23] وهو أحد علماء القرن الثاني الميلادي، وُلِد في أرض آشور (آثور بحسب اللفظ الآرامي)، وتثقف بثقافة بلاد النهرين. وفي معرض مجادلته اليونانيين في كتابه "خطاب ضد اليونان" امتدح عمق ثقافته وحضارته (بلاد النهرين) وانتقد بشدة الثقافة اليونانية واصفاً اياها ب "انها غير نافعة."[24]
avatar
jonyy
المدير
المدير

الثور نقاط تميز : 4778
تاريخ التسجيل : 30/07/2009
العمر : 29
الموقع : http://zalin.ba7r.org

http://zalin.ba7r.org

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى